حديقة محمد الخامس وتربية الأرانب

حضرت في أحد الأيام اجتماعا بمكتب عامل سابق للجديدة ، بسط خلاله خبير مكتب دراسات مكلف باقتراح أنشطة مدرة للدخل في الشريط الساحلي بين سيدي عابد وأولاد غانم ، وهي المنطقة التي تضررت بشكل كبير من انسداد آفاق التصدير نحو أوربا وخاصة منذ اندلاع حرب الخليج الأولى سنة 1990 ، حصيلة المشاريع التي يقترحها لإعادة النهوض بذلك الشريط، و ضمنها تلك التي تتعلق بتربية الأرانب ، وبعد أن صفق الحاضرون طلبت الكلمة ، وأظهرت عبث خبير مكتب الدراسات المذكور ، وبينت في حضرة العامل ومساعديه ، كيف لمنطقة كانت رائدة في إنتاج الخضر والبواكر ببلادنا، ولها ارتباط وطيد بالسوق الأوربية المشتركة ، بل من المناطق التي كان يعول عليها المغرب لجلب العملة الصعبة ، أن نختزل كل هذا المجد الاقتصادي الكبير ، في نشاط جديد يتعلق ب” تربية الأرانب ” .
كلامي وإن كان في الصميم لم يصفق له أحد ، وغضب خبير مكتب الدراسات وتوقف عرضه إلى مناسبة قادمة ، لم يكتب لها أي حظ ثان ولازالت المنطقة تعاني اقتصاديا واجتماعيا تحت وطأة رامسار.
سقت هذه المقدمة بمناسبة تكليف مكتب دراسات بإعادة تهيئة حديقة محمد الخامس بالجديدة بغلاف مالي كبير ، عساه يعيد لها مجدها المفقود جراء عوامل متعددة .
وأتخوف مرة أخرى أن تعاد على مسامعنا وأنظارنا ” قصة تربية الأرانب “
فتأهيل حديقة بحجم ورمزية حديقة محمد الخامس، ليس هو فقط التصور التقني الذي سيأتينا به مكتب الدراسات ، بل أكثر من ذلك هو ذلك الحفاظ المطلوب على الهوية التاريخية للحديقة ، التي تقاسمت مع الجديديين وزوار الجديدة ، لحظات تاريخية لن يطويها النسيان
أخاف ألا يكونوا أخبروا مكتب الدراسات بأنها وكما أطلقت عليها ذات مقال في الصباح ، أنها حديقة الملوك الثلاثة ، تحمل اسم محمد الخامس بطل التحرير وأحيى فيها المرحوم الحسن الثاني أروع الاحتفالات بعيد ميلاده ” عيد الشباب” سنة 1994
وكان جلالة الملك محمد السادس لما كان وليا للعهد يقضي جزءا من عطلته بالجديدة بدار الخطيب ، ويحرص على زيارتها وشرب الشاي بمقهى نجمة المحيط .
وأخاف أن يتناسى التأهيل أنها الحديقة التي وصلت اليوم 110 سنة في عمرها وأن بها أشجار من البرازيل كان يتعهدهم الشاف علال وبا العياشي والحارس اللبار بعناية فائقة ، ويكفي مكتب الدراسات أن يشاهد شريطا وثائقيا للمخرج ” نبيل لحلو ” عن الجديدة وحديقتها أنجزه سنة 1964 ، ليتأكد من سحرها الضائع
وأخاف أن يطمس التأهيل الهوية الأصلية للحديقة ، والتي استمدتها من صهريجي تربية أسماك ملونة وبيركولا فريدة من نوعها وكراسي الموزاييك المندثرة والشاهدة على أمسيات صيف الجديدة ، التي كان تجمع أهل المدينة بضيوفهم المراكشيين، الذين يحتفظون لهذه الحديقة بالكثير من الذكريات الجميلة ، على أنغام أغان لأم كلثوم وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ ومحمد الحياني و عبدالهادي بلخياط وعبد الوهاب الدكالي ، قادمة من مكبرات صوت مقهى نجمة المحيط ، وتزيدها روائح منعشة فواحة من أزهار مسك الليل التي كانت تزين الحديقة ، التي قتلتها مجالس بلدية متعاقبة كانت ترخص بسهرات عمومية ومعارض لبيع السيارات وغيرها ، وهو ما عجل بإلحاق أضرار جسيمة بمرافقها وأشجارها و أزهارها.
وفيما يشبه الختم ..عسى أن يعيد التأهيل للنصب التذكاري لبطل التحرير محمد الخامس ، ذلك الشموخ الذي كان له قبل تعرضه للسرقة سنة 2011، مع الحفاظ على اللوحة النحاسية التي وضعها الماريشال ليوطي يوم وضع حجر الأساس للحديقة سنة 1913 ، وكان يمني النفس أن تكون الجديدة مثل دوفيل الفرنسية ، مدينة متقاعدين، لكن التاريخ عاكس ما كان يتمناه الماريشال الفرنسي، لما أصبحت الجديدة مدينة صخب جامعي وعاصمة قطب صناعي كبير …أخاف للمرة الألف أن يطمس التأهيل ” الهوية التاريخية ” للحديقة وأن يأتينا مكتب الدراسات ب” قصة أرانب جديدة”
عبدالله غيتومي

Related posts

Leave a Comment