لما كنا صغارا وحتى سنوات التسعينات، كنا نمضي وقتا طويلا في البحر وخاصة في فصل الصيف، وكانت هوايتنا المفضلة هو لعب كرة القدم في دوريات للأحياء أو بين الجديديين والمراكشيين، وكانت المباريات تستقطب متابعة جماهيرية كبيرة.
وأذكر أننا كنا نصادف على رمال الكوشطة ” البيكا” أو الكودرون الأسود ، يطلي الشاطئ من بداية بيرو عرب حتى منطقة trois mètres.
كانت الأمواج عادة تقذف به ليلا، حتى إذا ما لاحت خيوط الصباح، ظهر واضحا يفسد على الرمال لونها الذهبي الأخاذ.
ولم يكن ممكنا تفاديه ونحن نلعب الكرة، حيث تطلى به أرجلنا وأيدينا وصدورنا، ولكوننا كنا نخاف سطوة الآباء وغضبهم وخاصة الأمهات، كنا ” نتفارض ” في شراء كمية من الغاز الطبيعي الذي كان يباع في الدكاكين لإشعال الفاخر وأيضا لتشغيل نوع من الفورنوات الصغيرة، وكنا نستخدم ذلك الغاز في التخلص من البيكا، وكان هذا دأبنا متى وطأنا رمال الشاطئ.
لكن ونحن صغارا لم نكن نسأل عن مصدر ذلك الكودرون، إلى أن اختفى في كبرنا والآن.
عرفنا فيما بعد أن البيكا هي نفايات زيوت محروقة، كانت تتخلص منها بواخر الصيد بعد كل مرحلة فيدونج، وأن ذلك الزيت بحكم وزنه الخفيف وبرودة البحر ، يتحول إلى كرات سوداء تتقاذفها الأمواج نحو الكوشطة، كما أن النافطات وهي سفن تنقل البترول، كانت كلما أضحت في عرض مياه الجديدة، ولجودة المياه تعمل على غسل خزاناتها.
لكن اليوم اختفت البيكا من شاطئ الجديدة، لأن معايير الحفاظ على الشواطئ والبحار، أضحت صارمة وتمنع التخلص من الزيوت في عرض البحر، تحت طائلة غرامات مالية ثقيلة، لكون تحرك البواخر ليس كالماضي، فهو مراقب بأقمار صناعية تحدد المكان والزمان ومسار كل باخرة، وبالتالي التزمت تلك البواخر بالضوابط البيئية التي تفرض عليها وضع الزيوت المستعملة في مواضع مخصصة لها بالموانئ في إطار عمليات تدوير صديقة للبيئة
تلك أيام نداولها بين الناس
عبدالله غيتومي…شاطئ الجديدة … أيام ” البيكا” بثلاثة نقط فوق الكاف
