كان يا ما كان، في الأول من يناير بمدينة الجديدة. حدث ذلك عند الدوّار الشهير بساحة الحنصالي، مقابل المتجر الأسطوري “باطا”. في ذلك الصباح، كان سائقو السيارات يتوقفون بابتسامة عريضة ليقدّموا لعناصر الشرطة زجاجات الخمر والشوكولاتة، تعبيرًا عن امتنانهم لسهرهم على الأمن وحماية المحتفلين خلال ليلة رأس السنة.
ومع مرور السنوات الخمسينيات والستينيات والسبعينيات، خَلَفت قوارير الخمر هدايا أخرى: الزيت، الشاي، السكر… مواد بسيطة، لكنها كانت تُمنح بنفس الكرم وبنفس النية النبيلة: قول “شكرًا” بطريقة راقية.
كان مشهدًا رائعًا، بل مؤثرًا، أن ترى السيارات تُبطئ من سرعتها وتتوقف لوهلة لتقدم “شيئًا بسيطًا” لشرطي المرور. طقس جميل كان الناس يتابعونه من شرفات المقاهي المحيطة، أو متكئين على حاجز الساحة، ليشهدوا تلك اللحظات التي كانت تعبّر عن شهامة واحترام وإنسانية.
لكن كل ذلك أصبح من الماضي.
اختفى الدوّار. واختفت كذلك ممرات الراجلين ذات المسامير النحاسية الحقيقية التي كانت تُطلى باللون الأصفر كل صيف. تمامًا كأكشاك البحر وسلالم فندق مرحبا… ضاعت تلك التفاصيل الجميلة ضحية الذوق السيّئ وقرارات مرتجلة لمن تعاقبوا على تسيير شؤون هذه المدينة، التي كانت يومًا ما أنيقة وهادئة وتليق بلقبها.
لم يبقَ اليوم سوى الذاكرة… وحنينٌ إلى زمن كانت الجديدة فيه تعرف كيف تجمع بين الجاذبية والأناقة والاحترام. زمن كان فيه مجردُ إيماءة بسيطة كفيلًا بأن يذكّرنا بمعنى العيش المشترك، حين كانت للتقاليد ذوقٌ ومعنى.
الجديدة سكوب
كان يا ما كان، في الأول من يناير بمدينة الجديدة…
