لما كنا ندرس بثانوية أبي شعيب الدكالي ، كان الرجل أستاذا لامعا لمادة اللغة العربية بل موسوعة غرف منها من تتلمذوا عليه ، وتشاء الصدف وهو الذي لم تكن تعجبه أبدا الإدارة. أن يجد نفسه في خضمها يدير دواليب الأمور في واحدة من أعرق تانويات الجديدة
جاءها خلفا لسي أحمد خشلاعة أطال الله في عمره، وكان يعتقد أنه سيجربها ولو على مضض. ثم لن يلبث أن يعود إلى القسم لأنه كان مولعا بالأدب العربي وعظمائه وباللغة العربية ونحوها.
كنا نحن صغارا لما نرى الرجل في الساحة ، يتملكنا خوف كبير وتستبد بنا رهبة شديدة، لعل مبعث ذلك لكوننا في حضرة ” أبو الهول” بما يمثل من عظمة الفراعنة وقوتهم ولكن كذلك في نخوتهم وإبائهم.
غادرنا ذات موسم دراسي إلى ثانوية ابن خلدون كان ذلك سنة 1975 ، بعدها سمعنا بالرجل مديرا لثانوية أبي شعيب الدكالي ، وظلت صورة الرجل الحديدي مترسخة فينا ، حتى بعدما تخرجنا أساتذة سنة 1983 ، وتشاء الصدف أننا سنمثل أمامه فيما يشبه مجلسا تأديبيا استدعيت إليه وأحمد اشنيت والمرحوم عبد الكريم جناني،
أذكر وكان عمري آنذاك 23 سنة برغم أستاذيتي خريجا من المدرسة العليا للأساتذة، أشعر بعظمة الرجل وصرامته، بعد أن رحب بنا بمكتبه بالثانوية، تناول رسالة كانت أمامه من النائب المرحوم عبدالكامل الحبابي، تصفحها بكل الاهتمام اللازم وخاطبنا. هل تعرفون لماذا أنتم أمامي ، التفتنا إلى بعضنا البعض. وأجبناه جميعنا بالنفي.
أطلق ضحكة من الأعماق كان لها رجع صدى بكل الإدارة ، وردد ” منذ متى كان الاستفسار يوجه من أسفل إلى فوق ” ثم استطرد لقد وجهتم استفسارا إلى السيد النائب في شأن عدم تطبيق مسطرة اختيار مرشد تربوي لمادة الاجتماعيات، وقد كلفني النائب أن أستمع إليكم ، وأوافيه بتقرير مفصل في الموضوع .
ثم سكت برهة وقال ولأنني أعرفكم جميعا من خيرة الأساتذة، فحتما لن يهون علي أن أحرر تقريرا في حقهم، بل سأكون خير مدافع عنكم لدى النائب ، ثم توجه بالكلام إلى سي أحمد اشنيت” إيوا أنت سي أحمد بعقلك وعندك تجربة أعول عليك في تأطير الأساتذة الشباب” ثم نهض من مكتبه وودعنا بحفاوة كبيرة
لحظتها اكتشفت بأن الرجل لا يحمل من أبي الهول سوى الاسم فقط ، ويختلف معه في قلب كبير يحب الخير للناس أجمعين ، ظلت هذه نظرتي إليه حتى جمعتنا بعد ذلك صداقة أخوية متأصلة ، بل كان على الدوام يتصل بي للسؤال عن والدتي ثم بقية الزملاء من أساتذة وإداريين، وكم بدا متأثرا قبل ثلاثة أشهر عندما سأل كعادته عن والدتي، فأجبته ” الله يرحمها” ، فأحسست من بقية كلامه نبل الرجل وحسه الاجتماعي الرهيف ، الذي ينضاف لسعة علمه وعطائه الكبير
والله أسأل أن يطيل في عمر هذا الهرم الكبير ، ويجزيه خير الجزاء على ما أسداه من مجهودات جليلة خدمة للتعليم والمعرفة.
عبدالله غيتومي…سي المصطفى أبو الهول … مدير من زمن الكبار
