ثانوية أبي شعيب الدكالي…

عبد الله غيتومي

في سنة 1970 اجتزت الشهادة الابتدائية وكان عمري 11 سنة والتحقت مع مجموعة من أقراني بثانوية أبي شعيب الدكالي لمواصلة مشواري الدراسي الإعدادي .

لم تكن الجديدة بمثل هذا الامتداد العمراني التي عليه حاليا ، فالثانوية التي ولجناها كانت تقع تقريبا في نهاية المدينة ، بعدها فقط المقبرة الجديدة وسانية المراقب ومعمل فايزر للأدوية والمطار والعديد من الحقول الزراعية المنتشرة التي كانت في ملكية اعيان على رؤوس الأصابع .

ونحن صغارا كان المكان الذي توجد به الثانوية يخيفنا بشكل كبير خاصة في ساعات الفراغ ، ويزداد خوفنا كل مساء في القاعات التي في الصورة تقع على الطريق ، خاصة في حصة مادة الاجتماعيات عند الأستاذ العلوي ، الذي كان صارما وكثيرا ماكان يعاقب الكسالى منا بالضرب المبرح ، كانت حصته يسودها السكون ، ومرة بعد أخرى نسمع مشيعين لميت في طريقهم إلى المقبرة وأصواتهم تردد ” سبحان الله والحمد لله ولاإله إلا الله الله أكبر ” لحظتها كنا ننكمش على أنفسنا ويستبد بنا هلع شديد ونخاف أشد ما نخاف على أن نفقد والدينا ونصبح يتامى .

في سنة 1970 أذكر أن مديرنا كان رحمة الله عليه هو سيدي أحمد الحطاب ابن الفقيه العلامة الحطاب ، كان نموذج المدير الصارم في قراراته ، لكن القدر شاء أن يموت في حادثة سير وهو في طريقه نحو ” العزيب ” قرب الجرف الأصفر بعد أن اصطدمت سيارته بشاحنة ، ونجا من الموت ابنه سيدي محمد الحطاب العلالي وسنه يومذاك سبع سنوات ، وشاءت الصدف أن يكون من بين تلامذتي بثانوية ابن خلدون ، وأذكر أن حزنا شديدا خيم على المؤسسة ، وعوضه على رأس الإدارة سي أحمد خشلاعة أطال الله في عمره وسيخلفه سي المصطفى أبوالهول لاحقا .

اعتدنا ونحن صغارا على وجوه رحمة الله عليهم منهم الحارس العام سي أحمد عفان وعبدالنبي ولدالرا وبا المختار وبا الشينوة وعلى أساتذة منهم مغاربة أذهبان والعلوي والطالبي ودحان  والشياظمي والسيدري والعكيلي ونعيم والعبادي والغزواني ورحو ، وفرنسيون الراي ولينيون وزوجته وموطار وسيليي وغيرهم .

في سنة 1972 وقع إضراب في جميع المؤسسات التعليمية بالمغرب ، وكانت إضرابات الجديدة دائما تبدأبواسطة التلاميذ الداخليين بثانوية ابن خلدون ، ولازلت أتذكر أننا قاطعنا الدراسة لأزيد من أسبوع كامل ، وكنا نقضي معظم أوقاتنا متحصنين بالمقبرة الجديدة قرب المقاطعة الرابعة ، أو في حقول الذرة والغلال الفلاحية المحيطة بالثانوية ، وكانت تطاردنا سيارة الشرطة الوحيدة ” لاراف ” وبعض من رجال الشرطة أتذكر منهم الزاوية والراوي .

وخلال مدة اعتصامنا بالمقبرة كنا نستفيد من هبات مترحمين على موتاهم وخاصة ما يجودون علينا به من تمر وشريحة وخبز .

وبعد أن اشتد عودنا بدأنا نستغل الساعات الفارغة في لعب كرة القدم بملعب الأشهب ، والذي أعطى الكثير من الأسماء البارزة التي عززت صفوف الدفاع الحسني الجديدي ومنهم رشيد أرسلان ومصطفى المرتجي وأسماء كثيرة .

في الساعات الفارغة أيضا كنا نصطاد العقارب بنبتة كانت تسمى ” التمرة ” وكنا ندخلها إلى الفصل ونطلقها أمام السبورة ، خاصة في حصص أستاذنا في اللغة العربية المرحوم الحسين الأشهب ، وكثيرا ما كنا نعاقب بالسجن في قاعات الدرس مساء السبت تحت حراسة رجل صارم لا تعرف الابتسامة أبدا طريقا إلى وجهه إنه ” العربي بلمو” .

وعندما كان المرحوم بنعاشر يطرق باب الفصل ، كنا نعرف لا محالة أنه آت لتبليغنا ساعات العقاب ، التي لم نكن نطيقها  لأن السبت مساء كنا نستريح فيه ونلعب فيه الكرة بالشاطئ .

وأذكر من طرائف دراستنا بثانويتنا تلك التي عشناها مع أستاذنا المرحوم سي الغزواني والد سي محمد وأحمد الغزواني ، أنه طلب من أحد التلاميذ أن ينهض إلى السبورة ويسطر على الجمل التي لامحل لها من الإعراب ، فسطر على التاريخ المدون في السبورة الأربعاء 13 يناير 1971 ، وكان ذلك سببا في ساعة قضاها في الجحيم ، عندما أشبعه سي الغزواني بشحطات حزامه المصنوع من الجلد الحقيقي .

وبعد أن انتقلنا إلى المستوى الثانوي شعبة الآداب العصرية وقع لنا ماوقع لقبائل بنوهلال وبنوسليم المشاغبة عندما تم نفيهم من الشرق العربي إلى مغربه ، نحن كذلك تم نفينا إلى ثانوية ابن خلدون ، ولازلت أذكر أننا رفضنا الالتحاق بها ، وتمسكنا بثانوية أبي شعيب الدكالي ، لأننا حفظناها وتمرسنا على الجغرافية المحيطة بها ، وفي الأخير رضخنا لقرار النيابة التي لم تكن بمكانها الحالي بجوار الثانوية بل كانت في بناية ملتصقة بمدرسة المقاومة . وبرغم ذلك كانت ثانوية أبي شعيب الدكالي دائما في وجداننا ، فالله يرحم أساتذتنا ومن علمنا ويجزيهم خير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *