وجبة السُّحور لدى الجديديين … وذكريات مع “بزيوا” المِسَحَّراتي

بقلم حسن فاتح
“المِسَحَّراتي” أو “الطّبال” هي مهنة الشخص الذي يوقظ فيها الصائمين خلال ليالي شهر رمضان من أجل تناول وجبة السحور، على نغمات طبله أو مزماره او نفّاره قبل صلاة الفجر بقليل، وعادة ما يكون نداء هذا الشخص مصحوبا ببعض التهليلات أو الأناشيد الدينية، وقد كان “بلال بن رباح” أول مؤذّن في الإسلام ورفيقه “ابن أم كلثوم” يقومان بمهمّة إيقاظ النّاس للسّحور، فالأول يؤذّن للناس من أجل تناول السّحور، والثّاني يهلل بعد ذلك ليمتنع النّاس عن تناول الطّعام، لكن فكرة “المسحراتي” جاءت مع قدوم الدولة العباسية، إذ وجد عتبة بن اسحاق، والي مصر عام 238 هـ، أن المسلمين لا ينتبهون كثيرًا إلى وقت السحور ولا أحد يؤدي هذه المهمة، فقرر أن يؤديها بنفسه، فكان يمر بالشوارع ليلًا لإيقاظ الناس من مدينة العسكر إلى مسجد عمرو بن العاص بالفسطاط وينادي قائلًا: “عباد الله تسحروا فإن في السحور بركة”.

عرف المغاربة منذ مئات السنين بكثير من العادات والتقاليد التي أصبحت موروثًا ثقافيًا لديهم، على رأسها مهنة “الطبّال” او”المسحراتي”، والذي ارتبطت شخصيته في المغرب كثيرا بالطّبْل أوالنّفَّار، ورغم ظهور أجهزة بديلة، تفضل الاسر سماع “طبلة” المسحراتي التي تنبعث منها دقات متوازنة مع صوته الشجي المتناغم مع الآلة، وبعد ان يبدأ بالتهليل والمناداة بأسماء كل أسرة التي يحفظها عن ظهر قلب، يدق الباب ويصيح “هذا الطَّبّال … مْباركْ هاذْ النهار”، ومن أجمل ما قيل عن الطبال او المسحراتي على لسان سيد مكاوي هو :”اصْحَ يا نايَمْ.. وَحِّد الدّايَمْ.. وقولْ نَوِيتْ.. بُكْرَه أن حييتْ.. الشَّهْر صايَمْ.. والفَجْر قايَمْ.. اِصْحَ يا نايَمْ.. وَحِّدِ الرَزّاقْ”.

يعد “بزيوا” أشهر “الطبّالين” أو”المسحراتيين” على الإطلاق في فترة الستينيات والسبعينات بمدينة الجديدة، حيث كان رحمه الله خفيف الظل، بشوشا الوجه، ضابطا للوقت، منشغل وسريع الكلام، محبوبا لدى الكل، سريع المشية فيمر كالبرق بين الازقة، وكأنه طائر السُّنونو ينساب بين كل زقاق ورواق، كثير من السكان لا يعرفونه من أين أتى، الا أن بعض الجديديين الضاربين في عمق تاريخ المدينة يعرفونه أشد المعرفة، ويرجعون اصوله الى الولي الصالح “سيدي بوزيد” دفين جنوب الجديدة بخمس كلمترات، غير ان غياب الوثائق الدالة على ذلك تبقى الرواية فاقدة للمصداقية.

كانت أحياء مدينة الجديدة العتيقة تدب فيها الحياة ليلا فرحا بشهر رمضان، حيث ينشط الاطفال بألعاب لا تحيى الا مع حلول ليالي رمضان كالجري، الفوانيس، والحكي، لعبة الورق والسمر …، يتجمعون عند عتبات البيوت او عند رأس الدرْب أو الحوْمة، لكن بمجرد مرور المسحراتي “بزيوا” حتى يتخلى اولئك الاطفال عن كل شيء ويتبعونه بالتصفيق والترحاب، فيزداد حماسه في الدق على الطبلة وعلى ابواب البيوت لإيقاظ اهلها من أجل السحور.

عند سماع الامهات دقات المسحراتي على الباب تهم بإعداد نار الفُرْن او “المَجْمَرْ” بالفحم الخشبي لإعداد السحور، هذه الوجبة تكون في الغالب آنذاك مكونة من الرغائف “المْسَمَّنْ” أو “البطبوط” أعدت في “الفرَّاحْ”، او فطائر “البَغْرير” المَطْهُوّة على قطعة من الزليج البلدي، وما إن تنتهي الام من تجميع الرغائف الساخنة في طبق بلدي يسمى “الطّْبَكْ”، حتى تمر الى إعداد شاي دكالي بلون ناصع وذهبي يسر كل المتحلقين حول “الصّينية”، دون أن تنسى صنع خليط سِرّي يعشقه كل أبنائها، ذلك الدِّهان المكون من العسل الحر و”الزبدة البلدية” أو “السّْمن الحايل”، ليكون طلاءا خاصا للفطائر والرغائف، وعند انتهائها توقظ تلك الأم السخية أفراد الاسرة بدءا من الأب والابناء والاخوة والجَدِّ والجَدَّةِ، لكن مع دبيب حركات الوضوء استعدادا لصلاة الفجر وحَنْحَناتِ العجزة يستيقظ الأطفال الصغار، فيزاحموا الكبار على تلك المائدة المستديرة الصغيرة التي خصصت للصائمين فقط.

في اليوم الأخير من الشهر المبارك تقوم ساكنة الاحياء، التي دأب وسهر المسحرتي بزيوا على ايقاظها في وقت السحور، بمنحه كميات من القمح أو الدقيق او النقوذ، وهي الزكاة او”الفْطُور” حسب التسمية المحلية التي يقوم الصائمون بإخراجها قبل حلول يوم العيد.

تلكم كانت احلى الايام وليالي السحور في شهر رمضان وسط دفء عائلي، ينبعث من بسائط الأمور وأرخصها، لكن مع تقدم الزمن وتطور المجتمع أضحت وجبة السحور ثقيلة على أمهات العصر الحديث، كما أصبحت مهنة “المسحراتي” شبه منقرضة بعدما كانت مشهورة ومتداولة بقوة في كل البلدان العربية وعلى الخصوص بالمغرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *