جاك بنآروش منقذ يهود مزغان … من السبت الأسود ل20 غشت 1955

بقلم حسن فاتح

على غرار الاساطير اليهودية العتيقة التي تحكي عن الأنبياء وملوك بني إسرائيل المنقدة لليهود من بطش الكنعانيين كالنبي داوود والملك سليمان والاسطورة “سامسان”، تندرج قصة “جاك بن آروش” البطل الجديدي صاحب الملحمة التاريخية التي دونتها مئات اليهود المهجرين او الهاربين غصبا من مدينتهم المحبوبة مزغان أو الجديدة نحو مختلف بلدان العالم، خوفا من بطش أياد غريبة اندست بالمجتمع الدكالي الأليف والمتآلف بين المسلمين والمسيحيين واليهود، أياد استغلت الجهل الديني والاخلاقي للبعض، ليحرضوهم على مهاجمة أحياء يهودية بدون مراعاة الجوار الأزلي، أو لتاريخهم العريق في المنطقة، والذي يسبق تاريخ التواجد العربي بالمدينة.

“جاك بن آروش” من مواليد سنة 1926، أحب مدينة الجديدة منذ أن وطأت قدماه أرضها وشرب ماءها واستنشق هواءها، وعشقها أكثر حينما التقى بملهمته “نادية ميمران” او “نانو” كما يحلو له مداعبتها، تنحدر “نادية” من عائلة عريقة بمزغان، استقرت بها منذ القرن الثامن عشر، وما زنقة “اسحاق حمو” قرب “شاطو بويسو” او “القصر الاحمر” سوى تسمية على جدها،  وبعد قصة حب جارفة عقد “جاك بنآروش” عليها القران سنة 1947، وسكنا بفيلا رقم 35 الكائنة ب شارع المقاومة أو “المارشال فوش” سابقا، قبالة حديقة “بول دومر” او “الحسن الثاني” حاليا بالجديدة.

كان “جاك بناروش” يمتلك مطبعة بمزغان، فهو مهني محترف من الدرجة الرفيعة، رائدا واستاذا في ميدان فنون الكرافيك، كان له المقر الأول لمطبعته عند شارع “شارل رو” قرب المحطة القديمة لوقوف حافلات “س ت م” و”مكتب ساليناس”، قبل أن تنتقل المطبعة الى “عمارة الكوهن”، ضمت شركته العديد من الموظفين، كان يعاملهم معاملة الشركاء لا معاملة المستخدمين، حسب ما ذكره “ليك جوزيف” احد العاملين معه.

“جاك بن اروش” رجل ذكي متفتح ونشيط جدا في المجتمع المدني المزغاني، تقلد عدة مناصب جمعوية ومؤسساتية، من أهمها رئيسا لجمعية قدماء تلاميذ مدرسة الطائفة اليهودية، نظم من خلالها مجموعة من الانشطة الرياضية والفكرية والثقافية، عشق التصوير كذلك، حتى أنه ترك إرثا ثمينا من الصور يؤرخ بها حياة اليهود بمدينة الجديدة، أحب كذلك الرياضات المتنوعة، ركب الخيل وتسابق بالسيارات، لعب الكرة الطائرة وكرة القدم رفقة فريق الطائفة اليهودية المزغانية ضمن دوريات فرق الاحياء على الشاطئ.

كان “بنآروش” سباقا لفعل الخير مع كل المحيطين به، ويصفونه بالشخص ذو القلب الذهبي، فهو دائما في خدمة الطائفة اليهودية، يحكي عنه أصدقائه بكونه شخصية بسيطة وكاريزماتية، فهو صديق الكل كيفما كانت ديانتهم مسيحية او مسلمة، هاوي للفنون ومكتشفا للمواهب، كان يحجز القاعة الكبرى من إمكانياته الخاصة ليعرض بها الشباب الموهوبين فنونهم التشكيلية، وتشجيعا منه كذلك كان يقتني بعض لوحاتهم من ماله الخاص، ويعرض البعض منها في المزادات ليوفر لهم منح خاصة بالدراسات العليا في الفنون الجميلة بباريس.

الى حدود تاريخ 19 غشت من سنة 1955 كانت الجديدة او مزغان مدينة هادئة وآمنة، أو هي المدينة الفاضلة الافلاطونية بالنسبة لليهود، تلك المنطقة التي طالما اعتبرها العبريون مهدا لحضارتهم بما يزيد عن 2000 عام، وخاصة منذ أن أمر السلطان مولاي عبد الرحمن يهود آزمور بتعميرها بعدما هدمها البرتغاليون سنة 1769، فعاشوا فيها مع المسلمين في سلم وسلام، ومازال سكانها الاقدمون يتذكرون ويذكرون الكثير من حالات التآزر والتضامن ما بين الاسر المسلمة واليهودية.

في الوقت الذي يحتفل فيه المغاربة بيوم 20 غشت كذكرى ثورة الملك والشعب، فإن اليهود الجديديين يعتبرونه يوما مشؤوما في سنة 1955، أو السبت الاسود كما يحلو لهم تسميته، في ذلك اليوم قامت ثورة عند الساعات الاولى من وقت الزوال، انطلقت شرارتها على يد أفواج من الشباب تجمعوا ببعض الأحياء كمولاي يوسف، درب غلف وبوشريط، ينادون برجوع السلطان محمد الخامس من المنفى، لتتضاعف أعداد تلك المسيرات الى المئات من المشاركين، وتمددت نحو أحياء اخرى كدرب الحجار، بن دريس، العرسة، النخلة، زنقة باستور وزنقة الكوموندو لاشيز، زاغت تلك المسيرة بسرعة كبيرة عن طبيعتها ومسارها، فعمد المحتجون الى تكسير زجاج السيارات وإحراق المنازل وتخريب الابواب وتحطيم النوافذ، أما بساحات مولاي الحسن وساحة غالييني فتم نهب وإحراق المحلات التجارية والدكاكين الصغرى، إضافة الى الهجوم المسلح على أحياء اليهود الجديديين بالملاح والحي البرتغالي والرجيلة.

أمام هذه الظروف العصيبة لقيت الشرطة الفرنسية صعوبة قصوى في الوصول وانقاذ الاسر اليهودية التي عاشت مستوى خطير من الذعر والرعب، كما أن رجال الإطفاء لم يستطيعوا إخماد جميع الحرائق، بعدما  نجح المنتفضون بنصب حواجز للسيارات، فلقد تم محاصرة ما يزيد عن 1400 يهودي مقيم بحي الملاح، أي زهاء نصف الطائفة المقيمة بمزغان، وأمام عجز السلطات المنشغلة في حماية المعمرين الفرنسيين، انبعث من اليهود المزغانيين بطل لينقذهم من بطش الثائرين، هذا البطل كان هو “جاك بنآروش”، غامر وخاطر بعمره وسنه لا يتجاوز 30 سنة، من أجل إنقاذ مئات اليهود المحاصرين من موت كان محققا، قام بتوفير كل الامكانيات الضرورية لتنقيل الأسر اليهودية المحاصرة، المكونة من نساء وأطفال وعجائز، دبر وبشجاعة الأبطال عمليات النقل بسيارته الخاصة، وكذلك عبر شاحنات نحو القاعة الكبرى للرياضات المسماة حاليا قاعة “نجيب النعامي”، لقد تم تجميع كل الأسر اليهودية بتلك القاعة تحت إشراف السيد “تروجمان” رئيس الجالية اليهودية.

كان الكل ينادي “جاك بن آروش” في مساء ذلك السبت الأسود بالبطل او الاسطورة، ومازال بعض المزغانيين يتذكرون سيارته ديكابوطابل “فولسفاغن كابريولي” التي كان يقودها وبسرعة جنونية، ذهابا وإيابا، بين الازقة والدروب، وهي تنقل الأسر المحاصرة بدون توقف الى قاعة الرياضات،  إنه الرعب والخوف الأزرق كما وصفه بعض اليهود الذين مازالوا على قيد الحياة.

ما زال كثير من اليهود يتذكرون ويحكون عن بطولات “بنآروش” في عمليات إنقاذه للأسر اليهودية، لقد أعتق أسرة “اولديك” المحتجزة داخل بيتها من المتظاهرين الهائجين الذين كانوا ينوون إحراق تلك الاسرة بكاملها داخل بيتها، أو حينما تدخل جاك لإنقاد اسرة تم الهجوم على منزلها وطفلتهم “إيفيلين” مطعونة بسكين من أحد المارة.

يروي أحد اليهود الناجين عن تلك المأساة “لحسن حظنا ظهر “جاك بنآروش” في ذلك اليوم، لقد طاف بالمدينة كاملة لإنقاذ أصدقائنا اليهود، وقام بإسكاننا عند السيد “لانكري” الذي كان يمتلك منزلا كبيرا عند هوامش المدينة، كان ذلك المسكن مكتظا بالعديد من العائلات الهاربة من ذلك الهجوم، كبارا وصغارا، شيوخا وشبابا …”.

يحكي يهودي آخر بألم قاص عن قصته المؤلمة “قامت أمي بتجميع أبنائها الست المتراوحة أعمارهم بين سن 9 و21 سنة، ووضعت متاريس قوية من الحديد على الباب، وتسلقنا السلاليم نحو الطابق الثالث، لنرى أفواجا هائجة من الشباب يرشون صفائح من البنزين على أبوابنا الخشبية لإشعال النيران، لكن بفضل شجاعة أحد الجيران المغاربة العاملين بمدرسة اليهود، قام بإطفاء تلك النيران الى أن جاء “جاك” مسلحا بمسدسه وحررنا في حدود الساعة 7 ليلا”.

أما عائلة أخرى فتحكي عن “بنآروش” “لقد أخرجنا من وسط تلك المجموعات المسعورة ورافقنا الى قاعة الرياضات التي لبتنا فيها عدة أيام، لقد غادرنا منازلنا بدون أغطية ولا ملابس، وكان “جاك” يؤمن من مدخوله الخاص كل حاجيات اليهود من غذاء ودواء،  وبعد أيام حاولت أمي الرجوع الى منزلنا واذا بأحد المشاركين في الثورة يناديها “للأسف فشلنا في اغتصاب بناتك” ومنذ تلك اللحظة هجرنا منزلنا الجميل المحروق المجاور لمنزل عائلة “بنعطار” القريب من باب البحر الى الأبد”.

كانت حصيلة ذلك اليوم الدامي ثقيلة، 60 جريحا وحالتي وفاة، منازل محروقة او مخربة، دكاكين منهوبة، سيارات محروقة، والعديد من الأسر اليهودية مرعوبة، بعد هذه الحوادث بدأت موجات من اليهود تغادر مدينة الجديدة ودموعهم لا تفارق أعينهم وخدودهم، تاركين ورائهم أملاكهم، ذكرياتهم، أحبابهم، موتاهم، أضرحتهم وأوليائهم، إنها قصة مؤلمة لشعب كان له الفضل في تعمير مدينة “المهدومة”، شيدوا بها الكثير من العمران الجديدة، فتم تسميتها بالجديدة، أسسوا بها العديد من الخدمات والحرف، لقنوها لإخوانهم المسلمين المغاربة، والتي مازالت لحد الان مصدرا لرزقهم الحلال.

أما “جاك بنآروش” فقد أكمل تكفله بالجالية اليهودية الى حين مغادرته مدينة الجديدة سنة 1963 نحو مدينة الدارالبيضاء، وعاش حياته متنقلا بين المغرب وباقي بلدان العالم لزيارة أصدقاءه، خاصة بكندا اسبانيا فرنسا واسرائيل، وفي أواخر سنة 2003 تنبأ البطل بوفاته بعدما زار أبناء صديقه الحميم “الدكتور الفاريز سالا” لتقديم العزاء، ذلك الاخصائي في أمراض القلب، الطبيب الخاص للجنرال “فرانكو” ملك إسبانيا آنذاك، تنبأ بعدما عرض عليه أبناء الطبيب بالجلوس في مكان أبيهم المتوفى من أجل صورة عائلية، تشريفا له ولمكانته العزيزة بقلوبهم، وأثناء عودته عند ابنه “ألفريد” بفرنسا قال له مبتسما “لقد جلست مكان الرجل الميت في الصورة يا بني”، فضحكا كثيرا، وعند عودته مباشرة الى المغرب توفي بعد يوم واحد بشكل مفاجئ بسكتة قلبية في 27 ماي من سنة 2003.

توفي “بنآروش” تاركا ورائه زوجته وحبيبته “نادية ميمران”، له منها ثلاثة أبناء “ألفريد” و “جورج” و “بيلا”،،  يصل عمر زوجته  الآن 80 سنة، تعيش بفيلا جميلة بمدينة المحمدية، بعدما فضلت العيش وحيدة.  

هذه هي قصة أحد الابطال الجديديين الذين لا يتحدث عنهم التاريخ، ولا تتذكرهم الذاكرة الجديدية، أما العجائز اليهودية في كل بقاع العالم، فهي تحكي لأحفادها قبل أن تنام عن “جاك بن آروش” منقذ اليهود من ثورة 20 غشت بالجديدة، حكاية تشبه الاساطير اليونانية، كقصة هرقل في صراعه مع الامبراطور “فوقاس”، او اسطورة “ايليس” في صراعه مع الاله “بوسيدون”.

عن مجموعة من التدوينات ورسائل اليهود الذين عايشوا هذه الاحداث الدامية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *