نور الدين اجديرة … الانسان و الرمز … !

حلت قبل ايام قليلة ذكرى رحيل عملاق الصحافة الإذاعية الرياضية نور الدين اجديرة الذي رحل عن دنيانا بعد مسيرة مهنية حافلة بالإنجازات. ساهم نور الدين اجديرة كواحد من جيل الرواد في إرساء قواعد العمل الصحفي الجاد و ترسيخ مجموعة من المبادئ جعلت منه علامة مؤثرة في تاريخ صحافتنا الرياضية. تخليد الذكرى 29 لرحيله ليس حدثا عاطفيا فقط بل هو نوع من رد الاعتبار لرجل لم ينل ما يستحق من التقدير المعنوي رغم كل ما قدمه لصحافتنا و رياضتنا. و الحقيقة أن الظرف الذي تمر به هذه الأخيرة حاليا يجعل من الاحتفاء بهذا النوع من الرموز ضرورة لا يمكن القفز عليها أو نسيانها لأن دراسة تجاربهم المهنية و حتى الإنسانية بإمكانها أن تساهم في معالجة جزء من الاختلالات الحالية للمشهد الرياضي. و تقترن الذكرى 29 لرحيل نور الدين اجديرة كذلك بنوع من ” نوستالجيا ” القسم الرياضي للإذاعة الوطنية و الذي ترأسه المرحوم إلى أن وافته المنية. لم يكن ذلك الصندوق السحري مجرد جهاز بالنسبة للجماهير الرياضية ببلادنا بل كان الراديو أقرب إلى الصديق الذي نصطحبه معنا نهاية الأسبوع إلى الملعب لتتبع باقي مباريات قسمي النخبة. كان الجدول اليومي لجيلنا (و الأجيال التي سبقتنا) منذ الصغر مرتبطا بالراديو، حيث شكلت برامج كالأحد الرياضي (ظهيرة الأحد)، موسيقى و رياضة (يومي الإثنين و السبت ابتداء من 12س15د و لمدة 45 دقيقة)، الحياة الرياضية (في الصباح الباكر) و البرنامج الرياضي لظهيرة السبت (و الذي حمل لاحقا إسم من الملاعب الرياضية) المتنفس الوحيد لتتبع كل ما يهم الرياضة الوطنية و الدولية و اساس وعي جيلي الرياضي.

بسيطا، متواضعا، سائرا على طريق المهنية و الاستقلالية، باحثا عن الحقيقة، ناقلا بكل موضوعية حال الرياضة الوطنية ومشاكلها للمستمعين، يبحث دائما عن فكرة جديدة ل”مدرسته” في الصحافة الإذاعية و التي أعطت ثلة من الصحفيين الإذاعيين أصحاب الكفاءة العالية، كان الراحل نور الدين اجديرة مهندس تلك البرامج السالفة الذكر أيام الزمن الجميل و التي شكلت قيمة مضافة لرياضتنا الوطنية. و بعيدا عن الصخب الحالي لعالم الانترنت و الفضائيات، كان الراحل مدرك آنذاك أن القسم الرياضي للإذاعة الوطنية هو البوابة لتشكيل وعي و سلوك و فكر عدد لا يعلمه من المغاربة في المجال الرياضي.

قبل أن يلتحق ابن مدينة الرباط البار (1944/08/15 ـ 1990/12/27) بالقسم الرياضي للإذاعة الوطنية و الذي سيصبح رئيسا له، كان قد تابع دراسته الابتدائية و الثانوية بمدارس محمد الخامس. درايته المشهود له بها في الوسط الرياضي نبعت من مسيرته الغنية في هذا المجال و التي بدأت كممارس لكرة السلة ثم كمدرب لفريق البريد المحمدي الرباطي قبل أن يترأس عصبة الوسط المنضوية تحت لواء الجامعة الملكية لكرة السلة أما بالنسبة لكرة القدم فقد كان أبو هنيدة و عمر عضوا جامعيا مكلفا بالتواصل ثم بملف التحكيم خلال الفترة الرئاسية لنجم الكرة المغربية الجنرال دو بريكاد (كولونيل آنذاك) المرحوم إدريس باموس كما شغل منصب رئيس اللجنة التقنية للإتحاد المغاربي لكرة القدم بالإضافة إلى عضويته في الاتحادين الإفريقي و العربي لكرة القدم من خلال مهنته الصحفية التي جعلت منه كذلك كاتبا عاما للجمعية المغربية للصحافة الرياضية أما مؤلفه حول تاريخ كرة القدم الوطنية فيعد من المراجع الكروية الأساسية ببلادنا.
تبدو محاولة الإلمام برحلة عطاء في عالم الصحافة امتدت لأكثر من عشرين عاما في هذه المساحة المحدودة أمرا صعبا خاصة عندما يتعلق الأمر بشخص صاحب فكر مستنير عمل بكل إخلاص و تفان من أجل وطنه و ترك إرثا إنسانيا من المحبة والعلاقات الطيبة مع كل من عرفه. و الزمن الذي قد يخفف من حزن الفراق لا يمكن، مهما طال، أن يسقط في يوم من الأيام من ذاكرتنا، نور الدين اجديرة، ذلك الوجه المضيئ الذي ما يزال، إلى يومنا هذا، يلهم صحافتنا الرياضية بكل ما مثله على المستوى المهني لذا ستبقى أجهزة البث المباشرة لقنوات قلوب الجسم الصحفي و الوسط الرياضي اليه مفتوحة، ترسل اليه ابرز عناوين التقدير و الاحترام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *