أ الحجام لعار عليك … راه وليدي بن يديك

مشاهدة
أخر تحديث : الإثنين 10 سبتمبر 2018 - 10:12 مساءً
أ الحجام لعار عليك … راه وليدي بن يديك

مهما حاولنا أن نرد الجميل لأمهاتنا ، فإننا لن نستطيع إدراك ذلك أبدا ، فإضافة إلى الحمل والرضاعة وسهر الليالي ، تحضرني في هذه اللحظة صورة الأم منذ أن كنا صغارا مقبلين على إجراء أول عملية جراحية في حياة كل طفل منا وهي “الختانة” ، صورة الأم وهي تذرف دموعا كثيرة تبكي وتولول “أ الحجام لعار عليك … راه وليدي بين يديك ” ملتحفة بالبياض مخضبة اليدين بالحناء ، تبكي وتستعطف المعلم الحجام ، لأنها تعرف حر المقص وصعوبة “طهارة” تتم بدون “بنج”
أذكر ويذكر معي كل من تطهر بدون تخذير ، أن معظم من كانوا في سننا وحتى بعدنا بسنوات تطهروا على يد معلم حجام كانت عليه علامات الوقار ( هو الذي في الصورة) يخيل إليك منذ أول وهلة أنه من صعيد مصر ، رجل من بركاوة من أولاد افرج عرف لدى أهل الجديدة وبواديها بالمعلم سي محمد ولد للا حليمة الذي مارس مهنة إعذار الأطفال طيلة أكثر من 50سنة إلى وفاته رحمة الله عليه سنة 1986.
في وقت لم يكن هناك أطباء ومصحات فقط طبيب لبناني يدعى بناني ، أذكر أن الطهارة كانت لها طقوس وتقاليد ، إذ غالبا ما كان الطفل الصغير يلبس قميصا وجلبابا وبلغة وطربوشا وفي الصباح الباكر يحضر با العياشي بفرس أدهم ويركب الطفل أمامه في موكب الركبة لزيارة ضريح سيدي الضاوي ، وخلفه نساء وفتيات من العائلة والحي يرددن أهازيج شعبية .وكم يبدو الطفل مزهوا وفي كبرياء ، ولكن ما أن يقترب الموكب في عودته إلى المنزل ، حتى يتحول كبرياء الطفل إلى بكاء وعويل ، ترتفع ضربات “طعاريج ” وسط حلقة من النساء تتوسطها الأم ، تبكي وتبكي معها حاضرات ويرددن جميعا “أ الحجام لعار عليك …راه وليدي بين يديك ”
يسود صمت رهيب عندما يدخل المعلم ولد للا حليمة ومعه مساعده قرباصي مصطفى يحمل حقيبة أدوات العملية ، يوضع الطفل فوق قصعة من خشب العرعار ، تخلف يديه وفي لحظة الصفر ، يتخلخل تركيز الطفل عندما يطلب منه المعلم “شوف فريخ في السقف” وعندما يرفع الطفل بصره إلى الأعلى ،يقرقب عليه المعلم ولد للا حليمة ، ويكفف دماءه بالدواء الأحمر والداجينة وبعض من لصاق طبي .
ترتفع الزغاريد وتدخل الأم المسكينة على طفلها تقدم له مرق الدجاج البلدي ، وفي غرفة أخرى يقدم للمعلم الحجام فطوره الذي هو في الغالب رفيسة أو “فداوش ” بالدجاج البلدي .
وقبل أن يغادر المعلم يسلم لنا أكياسا صغيرة من فانيد “المكانة” ، ويسلمه أهل الطفل طيورا من الدجاج البلدي ومقابل مادي بسيط بحسب قدرة كل واحد .
وبعد ثلاثة أيام يعود المعلم لتفقد أحوال الطفل ممتطيا دراجته من نوع “ساش” مكملا رحلة تطهير أطفال يصل عددهم في المتوسط يوميا 17 طفلا .
هكذا كنا وهكذا كانت تقاليدنا ، رحم الله المعلم سي محمد ولد للا حليمة والله يسمح لنا من كل أم رددت بلسان حزين
أ الحجام لعار عليك …. راه وليدي بين يديك

Abdellah Rhaitoumi

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الجديدة سكوب الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.