ذاكرة الجديدة ورهانات تسمية وتغيير أسماء المجالات العمومية

مشاهدة
أخر تحديث : الثلاثاء 25 أبريل 2017 - 11:42 مساءً
ذاكرة الجديدة ورهانات تسمية وتغيير أسماء المجالات العمومية

ذ. الجيلالي ضريف

  عندما نقف في مجال عمومي معين؛ منتزه أو حديقة، ساحة، شارع أو درب.. أمام لوحة تحمل اسم شخص (رجل أو امرأة) نتساءل من تكون هذه الشخصية؟     ثم نبحث في الذاكرة عن موقع هذا الاسم في الخدمات والملاحم المحلية أو الوطنية التي قد يَشهد له بها التاريخ أو لا يشهد ؛ مما يعني الحكم على مدى مصداقية إدراج اسم هذه الشخصية ضمن رموز الذاكرة المحلية و/أو الوطنية ـ
   يأخذ النقاش منحى آخر عندما يتعلق الأمر بحذف اسم وتغييره باسم جديد، بحيث تتبادر إلى الذهن مجموعة من الأسئلة التي ينبغي أن يُردَّ عليها وهي : ـ
         ـ ما هو سبب هذا التغيير؟ ـ من يختار الاسم الجديد؟ ـ وهل هناك مناسبات لتسمية و تغيير أسماء المجالات العمومية ؟ ـــ

ـ 1ـ لمحة تاريخية

ـ أـ من لَبْرِيجَة إلى الحي البرتغالي

   الحديث عن تغيير أسماء المجالات العمومية بمدينة الجديدة وعلى الخصوص الساحات والطرق العمومية (شوارع ، دروب وأحياء) يدفعنا أولا للاستحضار تاريخ تسمية هذه المجالات، ونبدأ بالمدينة البرتغالية مازغان التي تعرف حاليا عند العامة بالحي البرتغالي؛  (يبدو أن تعريب المصطلح الفرنسي سيتي  بالحي غير صحيح).  كانت المدينة تسمى بالبريجة من طرف المغاربة، نسبة لبرج بحري صغير (منارة أو برج البحر) أشار إليه مارمول في مؤلفه وصف إفريقيا بـ « البرج القديم لـمرسـى المدينة » (مرسـى مازيغان القديم)، حيث بنى البرتغاليون سنة 1514م حصن مازغان (الكاستيلو)، واحتفظوا بهذا البرج القديم  كأحد الأبراج الأربعة للحصن. انطلاقا من صيف 1541 شرع البرتغاليون في بناء المدينة المحصنة (الفورتاليزا) حول الحصن القديم، ثم سماها الملك البرتغالي جواو الثالث مازغان، ولم يأخذ بعين الاعتبار طلب حاكمها لويس لوريرو الذي كان يرغب من جلالته أن يسميها « مدينة المغامرة الجيدة » [1]  :   من عادة البرتغاليين الاحتفاظ بأسماء المواقع التي يحتلونها؛  فاسم مازغان تحريف طفيف لاسم مازيغان الذي كان يطلق منذ حكم المرابطين في القرن الثاني عشر الميلادي على مدينة وعلى مرساها، حدد الجغرافيون موقعهما على بعد فرسخين (حوالي 12 كيلومتر) من آزمور، وفرسخ واحد (حوالي 6 كيلومترات) من البريجة. أما بخصوص تغيير اسم مازغان باسم الجديدة في العقد الثالث من القرن التاسع عشر، فيقول صاحب  كتاب « الاستقصا في أخبار المغرب الأقصى »  المؤرخ أحمد بن خالد الناصري: «… و كانت تسمى قبل الفتح بالبريجة  فلما فتحت و تهدم سورها بالمينى صار الناس يسمونها بالمهدومة فأمر سيدي محمد بن الطيب ببناء سورها وترميم ما تأثم منها وسماها الجديدة وتهدد من يسميها بغير ذلك فسميت الجديدة من يومئذ » ـ [2]ـ
  لم يجد الاسم الجديد (الجديدة) استجابة عند الأوروبيين الذين ظلوا يستعملون اسم مازغان  لتسمية المدينة بأكملها- القلعة البرتغالية وما يحيط بها- حتى نهاية فترة الحماية سنة 1957، ويتجلى ذلك في أختام المكاتب البريدية القنصلية والطوابع والبطاقات البريدية التي ظهرت بالمدينة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وكذلك في الظهائر والمراسيم التي كانت تنشر بأعداد الجريدة الرسمية خلال عهد الحماية الفرنسية، رغم  أن  مرسوم السلطان المولى الحسن المتعلق بإحداث البريد المخزني سنة 1892 كان الانطلاقة الأساسية لترسيم اسم الجديدة، بحيث يتجلى ذلك في صدور أختام بريدية تحمل « الجديدة المحوطة »، كما أن الدولة فرضت كتابة اسم الجديدة بالأحرف العربية مقابل اسم مازغان المكتوب باللاتينية على مكاتب البريد الخصوصية الأجنبية بالمدينة التي أصدرت طوابع وأختام أو بطاقات بريدية من سنة 1895 إلى 1902م، سنة توقفهاـ
  أما بخصوص تسمية القلعة البرتغالية بالملاح  فلم تظهر وتنتشر إلا من خلال عناوين البطاقات البريدية التي سيصدرها من الجديدة التاجر اليهودي بن سوسان ما بين 1910 و 1913 ومن بعده مغاربة يهود و فرنسيون. في الواقع، لم يكن اسم الملاح (الذي يعني الحي المخصص لليهود) يطابق ما كانت تتميز به  المدينة القديمة منذ القرن التاسع عشر من تعايش بين سكانها، بحيث نجد داخل القلعة البرتغالية، جنبا إلى جنب، مسجدا وزوايا الطرق الصوفية (أربعة) وكنائس ومعابد لليهود ،  كما كان يعيش بمحيط القلعة في أحياء السوق القديم ودرب بن ادريس والقلعة وسيدي الضاوي، المغاربة المسلمون واليهود بجانب العائلات الأوروبية التي استقرت بالجديدة ابتداء من العقد الثالث من القرن التاسع عشر. لقد كان صائبا  فريدريك بوني  المهندس الرئيسي للأشغال العمومية بالمدينة عندما أدمج القلعة البرتغالية مع الأحياء المحيطة بها في مجال حي السكان الأصليين  ولم يشر لاسم الملاح على مشروع تصميم توسع وتهيئة المدينة الذي قدمه للسلطات المختصة ، لكن سلطات الحماية الفرنسية (مصلحة الجغرافية بالرباط)، التي كانت تسعى لتكريس التفرقة بين المغاربة،  ستصدر سنة 1922 نفس التصميم المصادق عليه في 24 نوفمبر 1916، بدون اسم المهندس بوني، تعزل فيه القلعة البرتغالية عن الأحياء القديمة المحيطة بها وتعطيها اسم الملاح ـ

    ـ ب ـ الأسماء القديمة للمجالات العمومية بالقلعة البرتغالية ـ 

      ما يمكن أن يُحسب لأعضاء المجلس البلدي للمدينة خلال عشرينات وثلاثينات القرن الماضي هو عملهم على الحفاظ على معالم القلعة البرتغالية، وذلك بإعادة فتح باب البحر وباب البقر ووضع اللوحات الحجرية الأصلية المنقوشة بأعلى المدخل الرئيسي (باب الحاكم)، وتهيئة وتثبيت لوحات حجرية نُقِشت عليها الأسماء الأصلية للأبراج والأبواب والساحات والدروب اعتمادا على تصاميم برتغالية تعود لبداية القرن الثامن عشر. وضعت هذه اللوحات الحجرية في مطلع الثلاثينات، وبما أن الأسماء المنقوشة عليها كانت باللغة البرتغالية، فقد تم الاحتفاظ بترقيم الأزقة ووضع لوحات معدنية بجانبها في الممرات الرئيسية كتب عليها نفس الاسم بالبرتغالية والعربية ـ
   الأسماء التي اختارها البرتغاليون، حسب ما يوثق له تصميم يعود للقرن الثامن عشر، لا تحمل دلالات سيادية أو سياسية، ويمكن إدراجها في مجالات الأوصاف العادية المتداولة عند السكان تهم أوصافا وظيفية واجتماعية وطبيعية؛ فيما يتعلق بالأوصاف الوظيفية، فنجد أسماء المعالم الطبوغرافية والمعمارية، وكذلك أسماء ترتبط بالوصف والتموقع والاتجاه؛ من أسماء المعالم الطبوغرافية نجد: زنقة  البئر  (رُوَا دو بوصو )، وهي تعرف حاليا عند الساكنة بزنقة الحمام، ومن أسماء المعالم المعمارية نجد زنقة كنيسة  نازاريت  بالقرب من باب البحر،  وزنقة كنيسة سيدة النور( رُوَا دا لوزْ- )  المعروفة بزنقة سيد البطاش، وزنقة مخازن الحبوب (رُوَا دُوسْ سِيلِيروس)… ومن أسماء الوصف نجد: الزنقة المستقيمة (رُوَا دْجيرييتا)  ، وفي مقابلها زنقة المنعرجات (رُوَا داس كورباس) التي مازالت تحمل منذ عهد الحماية اسم الطبيب رودريغز، وزنقة القوس (رُوَا دارْكُو) ، وزقاق الكيس  ( رُوَا دو ساكو), أما بخصوص الأسماء التي تتعلق بالتموقع والاتجاه، فنجد: زنقة الشاطئ (رُوَا دا بْرايا)  ، وزنقة الشمال ( رُوَا دو نورْتي) ، وساحة باب البحر (لاركو دو بورْتا دو مَارْ)، وفي ما يتعلق بالأسماء ذات طابع اجتماعي أو طبيعي فنجد مثلا : ساحة الاسطبل (لاركو دو كورال)، و زنقة المحاسب ( رُوَا دو كونْتادور)  ، وزنقة عربة الحصان  (رُوَا دو كارْيِيرا )،  وهي الممر الرئيسي للمدينة الذي كان يحمل في عشرينات القرن الماضي اسم ريدْمان، وأصبح يحمل حاليا اسم الشهيد الهاشمي باح باح الذي قتله الفرنسيون بالرصاص داخل الحي البرتغالي، كما نجد اسم باب البقر (بورتا دوس بوييس) وزنقة الأزهار( رُوَا داسْ فْلوريسْ ) وزنقة التوت (رُوَا داسْ أموريراس) .  يتضح أن الأسماء القديمة لأبراج وأبواب وأزقة ومعالم القلعة البرتغالية أسماء عادية لا يمكن اعتبارها تشريفا لأي أحد، بل ناقلة لذاكرة لها ارتباط وطيد بحياة الساكنة المازغانية ـ

ـ2ـ عندما أصبح الاسم الذي يطلق على المجال العمومي تشريفا ـ

  في بداية القرن العشرين، كانت أسماء الطرق الرئيسية لمدينة الجديدة تشير إلى الاتجاهات؛ فشارع التريعي كان يسمى طريق المويلحة، وشارع  محمد السادس كان يسمى طريق آزمور، وشارع الحنصالي، ثم بعده شارع محمد الخامس، كانا يسميان طريق مراكش، وشارع الزرقطوني كان يسمى طريق آسفي، وشارع الجيش الملكي كان يسمى طريق السبت (اولاد اذويب)، أما الساحات فكانت تعرف بالأنشطة المتواجدة بها مثل: ساحة الديوانة وهي تطابق الجزء الشرقي من ساحة سيدي محمد بن عبد الله، وساحة السوق الكبير التي تطابق الجزء الغربي من ساحة سيدي محمد بن عبدالله، وساحة السوق الصغير التي تطابق ساحة مولاي يوسف، وساحة التجارة  التي تطابق ساحة الحنصالي، كما كانت الأزقة تحمل أرقاما تجاوز عددها الرقم 300 في بداية الحماية سنة  1912 ـ
    في مطلع عهد الحماية، قام الكلونيل بيلتيي  ، بعد تنصيبه في أبريل 1913 كأول حاكم عسكري على الجديدة ودكالة ، بإطلاق أسماء الجنود الذين قاومهم التريعي في غشت 1912  على مجموعة من المعالم والمجالات، فأعطى اسم الكولونيل مانجان  لبئر كانت توجد بموقع سانية الكرَّابة وكانت تعرف عند البرتغاليين ببئر الدوق (سموها على دوق براجنسا لأنه شرب من مائها خلال غزوه لمازغان وآزمور في سنة  1513)،  وأعطوا اسم الكابتن بوليلي    لزنقة تربط بين ساحة السوق وساحة مارشان (درب الدݣاݣة سابقا) وأعطوا لثكنة عسكرية خاصة بـ »القوات الاحتياطية المغربية » اسم كييفر  وهو قائد عسكري قُتل أثناء مواجهة التريعي.  وفي إطار سياسة الليوطي التي كانت تعتمد في المدن الرئيسية على فصل المدينة القديمة عن الأحياء الأوروبية عمدت سلطات الحماية  بالجديدة على هدم مجموعة من المساكن القديمة غرب القلعة البرتغالية لتهيئ ساحة أطلقوا عليها سنة 1913 اسم مَرْشان   ، جهزوا فيها ،ما بين 1914 و 1916 حديقة أطلقوا عليها اسم الجنيرال غالييني  ، تخليدا لاسمه بعد موته في الحرب العالمية شهر ماي 1916. هذه الحديقة التي حملت اسم غالييني منذ 1916/1917 تسمى حاليا حديقة ساحة عبد الكريم الخطابي.
  من حسن حظ مدينة الجديدة أن من سيروا شؤونها ابتداء من 1917 كان لهم اهتمام كبير بتاريخ وتراث دكالة عامة والجديدة على وجه الخصوص، نذكر على رأسهم المراقب المدني الدكتور فريدريك فيسجيربير   الذي عين رئيسا لمكتب شؤون السكان الأصليين  من 1917 إلى 1926 وكذلك نائب رئيس المصالح البلدية  جوزيف غولفن  قبل تعيينه بالجديدة، قضى فيسجيربير أكثر من عشرين سنة بالمغرب اشتغل خلالها كطبيب وجغرافي ـ مستكشف وكاتب أما غولفن فقد أثارت اهتمامه كثيرا المعالم البرتغالية بالمدينة وكانت له إصدارات عديدة عن تاريخ مازغان. ما بين سنة 1918 و1924 ستعمل  المصالح البلدية للجديدة على تصنيف معالم القلعة البرتغالية كتراث وطني ويفتحونها للعموم ويطلقون أسماء شخصيات غير عسكرية على مجموعة من المجالات العمومية تشريفا لبعضهم على الخدمات التي قاموا بها لفائدة المدينة وساكنتها منذ استقرارهم النهائي بالجديدة منتصف القرن التاسع عشر كالإنجليزي ريدمان   والإيطالي كارلو مورتيو  والفرنسي جوزيف برودو وباليسترينو  الإنجليزي القادم من جبل طارق والتاجر إسحاق حمو ،   كما تم إطلاق اسم الموسيقار الفرنسي ريشار ديفري   على شارع الحسن الثاني، واسم الرسام أوغوست سيليي  على شارع محمد الزرقطوني الذي كان يعرف قبل 1920 باسم طريق آسفي. كان مجلس أعيان المدينة (الذي يمكن اعتباره منتصف العشرينات مجلسا جماعيا) يتشكل من: ـ
ـ ستة معمرين فرنسيين:محامي وصيدلي وأربعة تجارـ
 ـ ومن سبعة مغاربة: تاجران يهوديان، وخمسة مسلمين، وهم التاجر السيد عبد المالك بن الهادي القادِري، والتاجر أحمد بلمدني بناني، والسيد بوبكر الݣسوس، ملّاك، والتاجر الحاج عبد القادر بلباشا.
  مثل باقي المدن الرئيسية التي اهتم بها ليوطي معماريا، كالدار البيضاء والرباط ومراكش ومكناس، شهدت مدينة الجديدة توسعا عمرانيا مهما في الفترة الممتدة ما بين 1915 و 1935 ظهرت في نهايتها مجموعة كبيرة من الشوارع والمجالات
رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الجديدة سكوب الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.