الكلماتُ العاريةُ : شعر : مصطفى صحة – شاعر مغربيّ –باريس

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 22 مارس 2017 - 2:32 صباحًا
الكلماتُ العاريةُ : شعر : مصطفى صحة – شاعر مغربيّ –باريس

ماذا يمكنُ للكلماتِ العاريةِ أن تصنعَ حين يُنْفَخُ في البوقِ
حين يكسفُ القمرُ على وقعِ صفّاراتِ الإنذارِ
حين يلبسُ المهرّجونَ و خاليو البالِ المَرِحونَ الحِدادَ
حين يَعُبُّ جامعو الدّموعِ الحُبَّ
ماذا يمكنُ للكلماتِ العاريةِ أن تصنعَ حين تلتهمُ النّيرانُ الأبراجَ
حين تتطايرُ الأجسادُ تطايرَ أجنّةٍ من تِبْنٍ
حين تحضُرُ البورصةُ وليمةَ النّسورِ
حين ينضمُّ الوغدُ إلى ولائمِ الشّؤمِ الباذخةِ
ماذا يمكنُ للكلماتِ العاريةِ أن تصنعَ حين يحومُ حولنا مصّاصو الدّماءِ
حين يتخبّطُ العُجَّزُ في الوحلِ
حين تنهارُ الإمبراطوريّةُ المنيعةُ بضربةٍ واحدةٍ
حين يحملُ الأطفالُ السّلاحَ لطردِ الأرواحِ الشّرّيرةِ
ماذا يمكنُ للكلماتِ العاريةِ أن تصنعَ حين ينسلخُ الكشحانِ عن موضعيْهما
حين تختمرُ الحربُ في مستنقعاتِ الذّهبِ الأسودِ
حين تسقطُ آخرُ حمامةٍ فجرًا
حين تُزايدُ على الفنِّ جحافلُ النّملِ الفظيعةُ
ماذا يمكنُ للكلماتِ العاريةِ أن تصنعَ حين تقضي عرائسُ البحرِنحبَها
حين تشتعلُ المدنُ بسبِ خِرقةٍ من رايةٍ
حين يُكتبُ المجدُ بإراقةِ الدّماءِ في حلباتِ الوغى
حين تفرُّ الثّعابينُ من الأبراجِ الملتهبةِ
ماذا يمكنُ للكلماتِ العاريةِ أن تصنعَ حين تتهاطلُ الصّواريخُ
حين تمرحُ الكلابُ في البيوتِ المنزوعةِ الأبوابِ
حين تبصقُ الأرضُ متحجّراتِها الظّلاميّةَ
ماذا يمكنُ أن تصنعَ الكلماتُ العاريةُ  التي تذروها الرّيحُ الرّمليّةُ ؟

تعليق : محمّد صالح بن عمر :
صيغت هذه القصيدة في قالب سؤال إنكاريّ ردّده الشّاعر في الجملة ستّ مرّات لدعم فكرة رئيسة( الملفوظ الاستفهاميّ ” ماذا يمكنُ للكلماتِ العاريةِ أن تصنعَ ؟” يرمي إلى إثبات كونها لا تصنع شيئا ) .وهذه الفكرة التي يتَألّف منها محور القصيدة هي الإحساس بالعجز الذي يشعر به حملة القلم عامّة ( الشّعراء، الكتّاب، الفلاسفة، الصّحفيّون …ومن لفّ لفّهم …) إزاء الشّرور التي يقترفها الكائن البشريّ في العالم .ولئن كان هذا الموضوع لا محالة شائعا إلى حدّ ما في الشّعر فإنّه يبقى دائما من موضوعات السّاعة ، بالنّظر إلى ما لا تنفكّ تتسبّب فيه شرور الإنسان من كوارث وويلات في جميع أنحاء الكرة الأرضيّة (حروب، إرهاب، استبداد،احتيال، استغلال ، عنصريّة ، فساد …).
على أنّ حملة القلم لا يقفون من هذه الظّاهرة موقفا واحدا.فإذا كان صاحب هذه القصيدة مثلا  يعدُّ الكلمة كليلة تماما (“ماذا يمكنُ أن تصنعَ الكلماتُ العاريةُ التي تذروها الرّيحُ الرّمليّةُ” )فإنّ آخرين – ومنهم المستقبليّون مثل الرّوسيّ مايكوفسكي ( 1893 – 1930 )والرّومنسيّون مثل التّونسيّ أبي القاسم الشّابيّ ( 1909 -1934 ) يؤمنون إيمانا عميقا بقدرتها على التّغيير ،لا في الزّمن الحاضر بل في المستقبل .
يقول الشّابيّ مثلا في هذا الصّدد ، مخاطبا المستعمر الذي احتلّ بلاده :

ألا أيها الظَّالمُ المستبدُ****حَبيبُ الظَّلامِ، عَدوُّ الحياهْ
سيجرفُكَ السيلُ، سيلُ الدماء****ويأكلُك العاصفُ المشتعِلْ
وهناك شقّ ثالث منه صديقنا الشّاعر السّينغاليّ حسّان جينق  وإن كان يشاطر صاحب هذه القصيدة الرأي في كلالة الكلمة على صعيد الواقع فإنّه ينساق إلى أحلام أو وراء أمنيات مستحيلة التّحقيق تتيح له إمكان السّباحة في ضرب من الوهم التّعويضيّ .
يقول جنق في هذا المعنى :
لو كان قلمي
قادرًا على تغييرِ العالَمِ
لنظمتُ أبياتًا مُدمِّرةً
تحوِّلُ البؤسَ
إلى صحراءَ شاسعةٍ من الغبارِ
تعيث فيها ريحٌ عنيدةٌ
ولأذابَ نَفَسي الأبَحُّ
أصغرَ الذرّاتِ البائسةٍ
في المياهِ المُبارَكةِ
أسلوبيّا استخدمت في هذه القصيدة تقنيتان رئيستان هما : المراكمة والتّفخيم : الأولى  استخدمها الشّاعر في حشد الصّور الكابوسيّة المجسّمة للأوضاع السائدة في العالم اليوم والثّانية وظّفها لإغراق هذا المشهد في ظلمة حالكة .وهو ما أدّى إلى شحن خطاب المتكلّم بطاقة عاطفيّة عالية من شأنها إثارة استفظاع القارئ وسخطه.وفي ذلك دحض غير مباشر لفرضية الشّاعر، ما دامت كلماته في هذه القصيدة على عكس ما قال من النّوع الذي لا يمكن أن يقف منها القرّاء موقفا لا مباليا بل قد تحمل الكثيرين منهم على تبنّي رأيه .

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الجديدة سكوب الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.