تاريخ البريد بالمغرب، مازيغن- الجديدة

مشاهدة
أخر تحديث : الإثنين 2 يناير 2017 - 11:45 صباحًا
تاريخ البريد بالمغرب، مازيغن- الجديدة

نجيب الإدريسي…الحلقة الرابعة

نجيب الإدريسي – الجديدة سكوب. لا يمكن الكتابة عن  البريد “الحديث” بالمغرب دون الرجوع إلى تاريخه انطلاقا مما عاشته مدينة مازيغن – الجديدة و أيضا الدور الطلائعي  الذي لعبه ميناء الجديدة أواخر ثمانينات القرن التاسع عشر و خاصة مع بداية القرن العشرين دون أن ننسى منطقة دكالة و دورها في الإنتاج الفلاحي بالمغرب. وقد وجد هذا الدور امتدادا بميناء الجديدة كحلقة وصل بين اليابسة و البحر أمن الايراد و التصدير قبل عهد الحماية ما دفع إلى بروز تجار مغاربة و استقرار تجار أوربيين  بها للمتاجرة في مواد هامة و استراتيجية في ذلك العهد بالنسبة لأوروبا حيث كان الطلب عليها كبيرا لأسباب تعود لتصنيع أوروبا و لبعض النزاعات الحربية التي حرمت القارة من انتاج مواد زراعية و طبيعية  كالحبوب و الأصواف  و الجلود و الحيوانات الحية و حتى البيض الذي ركب البحر ليحط الرحال في صحون أوروبا. و لقد ذكرت بعض المصادر أن مبلغ معاملات المنطقة قد وصل في بعض السنوات زهاء 18 مليون فرنك فرنسي و هو رقم مهم جدا.

و بنمو التجارة عبر الميناء و استقرار قنصليات بها كالبريطانية و الفرنسية و الإسبانية و الألمانية و بداية عولمة مصغرة للاقتصاد المحلي، أصبح من الضروري على كل هؤلاء التجار الواردين عليها من التوفر على وسيلة للتواصل مع شركاتهم و وكلائهم  بأوروبا أو زبنائهم نظرا لتزايد الطلب. و كانت الوسيلة هي البريد قبل بروز التلغراف بالمغرب.

cite-poste

و كان البريد الخاص بالجديدة يؤمن بعث الرسائل في أول الأمر ثم بعده الطرود التي لا تتعدى 300 كيلو من الجديدة إلى مراكش أو عبر هذه الأخيرة إلى بعض الحواضر الأخرى التي كانت تربطها بمراكش خطوط بريدية.

نعم، كانت الجديدة سباقة في هذا المجال على يد جوزيف برودو و ابنه اسحاق دون إغفال بريد كارلوس ألبيرطو مورتيو (بين مازيغن- الجديدة و مراكش) و بريد بنسيمون (الجديدة أزمور و مراكش) إلى حين تدخل المخزن إبان حكم السلطان المولى الحسن الأول سنة 1892. و تنظيم البريد في 13 مدينة بظهير شريف عبر أمناء عينهم لهذا الغرض و هي الجديدة،  تطوان، طنجة، القصر الكبير، العرائش، فاس، مكناس، الرباط، الدار البيضاء، ازمور، اسفي، الصويرة و مراكش. و لقد دفع بروز هذا البريد و صعود نجم ميناء الجديدة – مازيغن الذي كان بمثابة ميناء عمق مراكش من ازدهار التجارة بالنسبة لمنطقتنا ضمن المثلث المكون من أزمور الجديدة و مراكش.

بعد ذلك أصبح لميناء الجديدة شأن أكبر و سهل بالتالي مهمة البريد أحسن بعد تطور الملاحة التجارية عبر بناء بواخر أكبر أصبحت تحمل أكياس البريد و الطرائد إضافة إلى حمولاتها من السلع فتقلصت المدة الزمنية لاستلام البريد و لم يعد يقتصر على البريد بين بعض المدن المغربية المحدودة العدد بل تعداه إلى ما وراء البحار . و كان لوصول أي باخرة  أثر كبير على النفوس حيث كانت القنصلية المعنية بجنسية الباخرة ترفع علم بلادها ايذانا بوصول الرسائل و يكون ذلك بمثابة حدث يتداول أعضاء الجالية الأجنبية أثنائه الأخبار التي يتوصلون بها.

cite-poste1

وصول البريد لميناء الجديدة بداية القرن العشرين

كانت بمثابة طفرة دفعت بعد معاهدة الحماية و إحداث البريد المخزني بالمغرب إلى إحداث إدارة قائمة الذات تنفيذا أيضا لمقتضيات الباب السادس، المادة 106 من عقد الجزيرة الخضراء لسنة 1906.

cite-poste2

مِؤتمر الجزيرة الخضراء 1906.

و في عهد السلطان المولى حفيظ ،  احدثت سنة 1907 الشركة المغربية للتلغراف الذي قلص المسافات بطريقة سحرية لتبليغ محتوى الخطابات و أعيد تنظيم مصلحة البريد.

بعدها بدأت ماكينة الحماية في  وضع اللبنات الأولى  إلى أن تم بناء مركز البريد في حلته الجديدة ابتداء من سنة 1922 و دخل حيز العمل كبريد مركزي سنة 1924.

jdi-poste3

طبعا، بعد الاستقلال بسنوات، أعيد تنظيم القطاع إلى حين فصل البريد عن التليفون في عملية الخوصصة التي شهدها المغرب  بعد اختراع الهواتف المحمول و شيوع استعماله و كسح الإنترنت كل المجالات و أصبح العالم قرية صغيرة لا تحتاج لرقاص راجل أو ممتطيا جواده ولا حتى بواخر لحمل البريد بين البلدان و أصبح يحمل على ظهر طائرات بل تخصصت بعض الشركات في ايصاله بهذه الطائرات و شهدت  بعض الاختراعات التقنية تجاوزها كالتلغراف و حتى الفاكس و الله وحده يعلم ماذا سيخترع الإنسان أكثر من وصول الرسائل في بضع ثواني عبر البريد الإلكتروني و مواقع التواصل الاجتماعي. و الاحتمال وارد أن تختفي مهنة ساعي البريد الذي كنا ننتظر مروره بفارغ الصبر.

كل هذا حصل في قرن و نيف من الزمن و مازيغن – الجديدة كانت حاضرة في بداية ظهور البريد المنظم كما سلف ذكره و تقديمه خلال هذه الحلقات حتى قبل انشاء منظمة الإتحاد العالمي للبريد و دخلت تاريخ البريد على الصعيد الدولي من بابه الواسع حتى أصبح البريد أمرا معتادا و لعب دوره في التواصل بين مختلف مكونات المجتمع من إدارات و شركات و خواص داخليا و خارجيا و أصبح هناك عشاق لجمع الطوابع البريدية كما نظم معرض بالجديدة لهذه الطوابع سنة 1949 لكثرة عشاقها و نفادها لقلوب الكثير منهم لأن كل طابع بريدي يعتبر حقا نافذة على العالم تحمل رموزا و رسومات تمثل بلد المصدر في وقت كانت الأسفار البعيدة غير معتادة.

cite-poste4

معرض الطوابع البريدية بالجديدة سنة 1949

cite-poste5

و بتطور أحدث التكنولوجيات في مجال الاتصال، أصبح لرأس المال اهتماما أكثر بهذا القطاع في ظل العولمة التي فرضت تنظيما آخر قلب الموازين رأسا على عقب. فتم عل إثر هذا خوصصة قطاع الاتصال و انشطر عن البريد كي يصبح شركة قائمة الذات تعنى بالهاتف الثابت و الجوال و الإنترنت و خدمات الفاكس و دخلت السوق شركات أخرى حتى لا تكون هذه السوق حكرا على شركة واحدة تنفيذا لتوجهات تحرير السوق و خلق المنافسة كما أنشأت هيئة عليا للسهر على القطاع.

أما بالنسبة لشطر البريد، فلقد أعيد تنظيمه في شكل مؤسسة عمومية أضافت إلى أنشطتها الأعمال البنكية بعد فترة صندوق التوفير و تحاول ايجاد موطئ قدم لها في السوق المالية و احتفظت بمناولة الطرود و البريد بكل أصنافه. غير أن تطور الإنترنت و شبكات التواصل تشكل هاجسا حقيقيا يشكل تهديدا مباشرا لمنظومة البريد و يمكن أن نجزم حتى بالنسبة لسعاة البريد كما عهدناهم لكثرة لجوء رواد هذه الشبكات للتعامل و ايصال رسائلهم و وثائقهم في لحظة دون الحاجة للبريد الكلاسيكي إلا ما نذر.

poste-cite5

و حيث أن الابتكارات التكنولوجية في قطاع التواصل تسير بسرعة جنونية و نظرا لأهميته القصوى، فإن هذا الموضوع يحتاج لوحده إلى عدة حلقات و الله وحده يعلم إلى أين ستقودنا كل هذه الاختراعات و قوتها بعالم أصبح قرية صغيرة تضم ملايير الناس المرتبطين بعضهم ببعض على مدار الساعة.

 cite-poste6

نهاية الأربع حلقات.

رابط مختصر

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الجديدة سكوب الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.